|
بعد تسلمه جائزة الشرف الخاصة لبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية "إعادة إعمار لبنان"، خلال انعقاد "المنتدى الحضري العالمي الثاني" الذي افتتح في برشلونة يوم الإثنين 13 ايلول 2004 القى رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري الكلمة الآتية :
"أشعر بالفخر والاعتزاز اليوم للوقوف أمام هذا الجمهور الكريم الذي يمثل الأمم المتحدة، هذه المنظمة التي تمثل طموحات العالم مجتمعاً بالسلام والأمن والتعاون. إني مسرور بوجودي هنا وبتسلم هذه الجائزة لأسباب عدة:
أولاً: لأن هذه الجائزة هي جائزة الشعب اللبناني وجميع مسؤوليه، والأمم المتحدة تكرّم بهذه الجائزة تضحيات وتصميم الشعب اللبناني الذي تجرأ على أن يحلم بإعادة بناء نفسه وتحقيق حلمه على الرغم من كل الصعاب.
ثانياً: إنني افتخر بأنه تم اختيار برشلونة لمنح هذه الجائزة نظراً الى ما تمثله هذه المدينة من رمز للشراكة بين دول المتوسط، وخصوصاً نحن في الشرق الأوسط مع أوروبا، عبر العملية التي تحمل اسمها عملية برشلونة.
ثالثاً: اسمحوا لي بشكر كل عائلتي وخصوصاً زوجتي نازك لأنهم شاركوني هذه الفرحة بعدما شاركوني في تحمل الصعوبات والتحديات والتضحيات خلال هذه السنوات الطويلة من العمل الرسمي والعام. إن دعم عائلتي وتشجيعها والأهم محبتها الدائمة ساهم الى حد كبير في تصميمي واستمراري في العمل حتى عندما كنت أشعر بالإحباط في مواجهة ما اعتبره البعض مستحيلاً.
إن هذه الجائزة هي لأخوة لبنان وأصدقائه العرب الذين آمنوا به حتى في أحلك الظروف، ونحن ممتنون خصوصاً لسوريا التي لما تمكنا من الوصول الى ما وصلنا اليه من استقرار بدون مساعدتها، وللمملكة العربية السعودية والكويت وجميع الأخوة العرب. كما نشكر أيضاً فرنسا والعديد من الدول الأوروبية لأنهم فهموا أن أهمية لبنان هي رسالته في التسامح والتعايش ليس للمنطقة فحسب بل للعالم برمته.
إن رسالة لبنان أيضاً هي في حماية الديموقراطية الأقدم في العالم العربي، لأن لبنان يؤمن بأن الديموقراطية هي أملنا الوحيد في بناء دول حديثة وفي حفظ كرامة الإنسان في هذه الدول عبر حماية حقه في التعبير وفي الرأي وفي اختيار مستقبله.
عندما بدأنا عملية الإعمار كانت التحديات كبيرة، ولكن تصميمنا وإرادتنا كانا أكبر. كانت هناك خيارات عدة للأسلوب الذي سيُتبع في إعادة الإعمار. ونحن اخترنا أن نعيد بناء كل شيء في وقت واحد وبالسرعة نفسها، فلا نعطي أولوية لقطاع على قطاع. فكل شيء كان أولوية من الماء الى الكهرباء والمستشفيات والمدارس والطرقات وحياة الناس.
ولكن يمكن تحديد إعادة إعمار لبنان بمرحلتين:
المرحلة الأولى: شهدت بداية عملية المصالحة وانتهت بالتوصل الى اتفاق الطائف الذي لا يزال لبنان حتى اليوم ينعم بنتائجه السياسية.
المرحلة الثانية: بدأت في سنة 1993 عندما شكلنا حكومتنا الأولى وكانت عملية بناء وسط بيروت في مرحلة الانطلاق، بيد أن التحدي وقتها تمثل في القيام بعمليات الإعمار الشامل للبلاد كلها وسط مصاعب أخرى أكبر، فقد نصت وثيقة الوفاق الوطني في الطائف على الإنماء المتوازن. وهكذا فقد كان علينا أن ننهض بعبء إعادة بناء المرافق الأساسية وتحضيرها للتحديات المستقبلية وإعادة بناء القطاعات الخاصة للمشاركة في الإعمار والنهوض، وكسب ثقة المؤسسات الاقليمية والدولية بمستقبل البلاد، وأيضاً بالتوافق والتوازي مع حشد اللبنانيين إرادة وأملاً من أجل نظامهم ودولتهم ومستقبل أجيالهم.
والحقيقة أننا نجحنا في تحقيق الأهداف الأساسية للخطة. ولكن القول إننا نجحنا لا يعني أن مهمتنا اكتملت فلا يزال أمامنا الكثير لجعل الإنماء المتوازن متوازناً بكل معنى الكلمة. فبالرغم من كل جهودنا، لا تزال هناك مناطق في لبنان تعاني عدم تكافؤ الفرص في التربية وفي الصحة والكثير من الخدمات الأخرى من طرق ومياه وخلافه.
إن المشهد الحالي لمنطقة الشرق الأوسط يبعث على الأسى والخوف ليس على النمو والازدهار فقط، بل وعلى الاستقرار أيضاً. إن كل المشروعات والمشاهد المستقبلية التي تعرضها الجهات الدولية الفاعلة تركز على الإعمار والديموقراطية. وهذه أهداف جميلة ورائعة، لكن كيف يمكن تصور تحقيقها بدون حرية واستقرار وظروف سياسية وأمنية ملائمة؟.
لكن كيف يحدث الاطمئنان، ويتصاعد النهوض، والإنسان العربي لا أمل لديه بمستقبل ولا بسلام؟. إن اليأس الذي يشعر به العربي اليوم من جراء معاناته من الاحتلال وسلب حريته وأرضه وكرامته يؤدي الى المزيد من العنف والى اتساع الهوة بين الإنسان العربي والعالم. إن مهمتنا اليوم هي استئصال اليأس وجعل السلام حقيقة في فلسطين والعراق لتعود الثقة وليس التوجس هي عنوان علاقتنا ورباطنا. نحن نريد سلاماً ودولة مستقلة للفلسطينيين".
وأضاف الى النص المكتوب مرتجلاً: "نريد استعادة الأراضي اللبنانية والسورية المحتلة. طبعاً، نريد السلام لكل شعوب الشرق الأوسط وليس للعرب فحسب، بل أيضاً لإسرائيل ولكل من يعيش في الشرق الأوسط. نحن شعب يؤمن ايماناً عميقاً بالسلام والتسامح والعدالة، ونود العيش بسلام من أجل أولادنا وأحفادنا وأولاد إسرائيل وأحفادها أيضاً. إننا نعتقد أنه إذا أرادت إسرائيل العيش بسلام حقاً مع جيرانها، فهناك دائماً فرصة وكل ما تحتاج للقيام به هو احترام قرارات الأمم المتحدة والانسحاب من الأراضي الفلسطينية واللبنانية والسورية والسماح للفلسطينيين بالعيش في دولة مستقلة شأنهم شأن أي دولة أخرى في المنطقة".
أضاف: "ونحن نريد أن يعود العراق حراً مستقلاً وموحداً وتعود الدولة فيه للعمل من أجل شعبها الذي عانى الكثير بكل فئاته ومكوناته. ونحن نريد أن تتوقف الضغوط على شعوبنا ودولنا لكي تستطيع العمل بشكل طبيعي من أجل النمو والتقدم، والمشاركة الفاعلة في حاضر العالم ومستقبله. الإعمار حضارة وأمتنا صاحبة تجربة حضارية زاخرة ومهمة، شكلت أساساً ضمن أسس التقدم العالمي الحديث في آسيا وافريقيا وأوروبا".
وتوجه الى مؤسسة الأمم المتحدة للإسكان بالقول: "لقد اخترتم تجربة لبنان الإعمارية للاحتفاء بها كحل مثالي لبلدان عانت وتعلمت الدرس، وأرادت بناء المستقبل بسواعد أبنائها فنجحت في ذلك. وأريد أمام هذه النخبة المتميزة من رسميي العالم ومثقفيه، وفي هذا البلد الزاهر الصديق للعرب والمسلمين، أن أشكر لكم هذا التقدير وأن أوجه باسمكم نداء لانقاذ حضارات القدس وبيت لحم ورام الله وغزة وبغداد والموصل والنجف".
وختم بتوجيه تحية الى الأمم المتحدة "هذه المنظمة التي حملت على مر أكثر من نصف قرن طموحات شعوب العالم بالتحرر والمساواة والتنمية والأمن والسلام. إن منح الأمم المتحدة هذه الجائزة للبنان يعني أن باب هذه المنظمة سيبقى دائماً مشرّعاً للدول التي تسعى الى تحسين حياتها وحياة شعوبها. إن لبنان دائماً باب مشرّع على الديموقراطية والحرية وعلى كل ما هو نبيل على هذه الأرض وفي مقدمته رسالة السلام والتسامح التي تحملها هذه المنظمة وكل من آمن بها. إن الأمم المتحدة ستبقى دائماً أساساً في حياتنا. وعبر الحوار والانفتاح والتفاهم سننجح في جعل العالم والأمم المتحدة يفهمون قضايانا أكثر وينظرون في آرائنا ويعتمدونها. إن السلام هو مصيرنا، فلنعمل معاً لتحقيق هذا المصير، لنعمل دائماً من أجل السلام شكراً لكم".
|